الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
328
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ورد من بقاء الأرواح ، وحديث « أن عجب الذّنب لا يفنى وأن الإنسان منه يعاد » . ورفع هذا الإشكال أن يجعل القصر ادعائيا لعدم الاعتداد ببقاء غيره تعالى لأنه بقاء غير واجب بل هو بجعل اللّه تعالى . والجمع بين وصفي الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ فيه محسّن الطباق . و الظَّاهِرُ الأرجح أنه مشتق من الظّهور الذي هو ضد الخفاء فيكون وصفه تعالى به مجازا عقليا ، فإن إسناد الظهور في الحقيقة هو ظهور أدلة صفاته الذاتية لأهل النظر والاستدلال والتدبر في آيات العالم فيكون الوصف جامعا لصفته النفسية ، وهي الوجود ، إذ أدلة وجوده بيّنة واضحة ولصفاته الأخرى مما دل عليها فعله من قدرة وعلم وحياة وإرادة ، وصفات الأفعال من الخلق والرزق والإحياء والإماتة كما علمت في قوله : هُوَ الْأَوَّلُ عن النقص أو ما دل عليها تنزيهه عن النقص كصفة الوحدانية والقدم والبقاء والغنى المطلق ومخالفة الحوادث ، وهذا المعنى هو الذي يناسبه المقابلة بالباطن . ويجوز أن يكون مشتقا من الظهور ، أي الغلبة كالذي في قوله تعالى : إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ [ الكهف : 20 ] ، فمعنى وصفه تعالى ب الظَّاهِرُ أنه الغالب . وهذا لا يناسب مقابلته ب الْباطِنُ إلا على اعتبار محسّن الإيهام ، وما وقع في حديث أبي هريرة في « صحيح مسلم » من قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « وأنت الظاهر فليس فوقك شيء » فمعنى فاء التفريع فيه أن ظهوره تعالى سبب في انتفاء أن يكون شيء فوق اللّه في الظهور ، أي في دلالة الأدلة على وجوده واتصافه بصفات الكمال ، فدلالة الفاء تفريع لا تفسير . و الْباطِنُ الخفي يقال : بطن ، إذا خفي ومصدره بطون . ومعنى وصفه تعالى بباطن وصف ذاته وكنهه لأنه محجوب عن إدراك الحواس الظاهرة قال تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] . والقصر في قوله : وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ قصر ادعائي لأن ظهور اللّه تعالى بالمعنيين ظهور لا يدانيه ظهور غيره ، وبطونه تعالى لا يشبهه بطون الأشياء الخفية إذ لا مطمع لأحد في إدراك ذاته ولا في معرفة تفاصيل تصرفاته . والجمع بين وصفه ب الظَّاهِرُ بالمعنى الراجح و الْباطِنُ كالجمع بين وصفه ب الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ كما علمته آنفا . وفي الجمع بينهما محسن المطابقة .